السيد محمد حسين الطهراني
149
معرفة الإمام
وروى ابن سعد أيضاً بسنده عن أبي مِجلَز قال : جاء رجل من مراد إلى عليّ وهو يصلّي في المسجد ، فقال : احترس فإنّ ناساً من مُراد يريدون قتلك . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ ، فَإذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ . وَإنَّ الأجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ . « 1 » وروى بسنده عن عُبيدة أنّه قال : قال عليّ عليه السلام : مَا يَحْبِسُ أشْقَاكُمْ أنْ يَجِيءَ فَيَقْتُلَنِي ؟ اللَهُمَّ قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي ، فَأرِحْهُمْ مِنِّي وَأرِحني مِنْهُمْ . « 2 » وروى بسنده عن عبد الله بن سَبْع قال : سمعتُ عليّاً عليه السلام يقول : لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ . فَمَا يُنْتَظَرُ بِالأشْقَى ؟ قَالوا : يَا أمِيرَ المُؤْمِنِين فَأخْبِرْنَا بِهِ نُبِيرُ عِتْرَتَهُ . فَقَالَ : إذَنْ تَقْتُلُوا بِي غَيْرَ قَاتِلِي . « 3 » وروى بسنده عن امّ جعفر : سريّة عليّ بن أبي طالب قالت : إنّي لأصبّ على يَدي عَلِيّ الماء إذ رفع رأسه ، فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه فقال : وَاهاً لَكِ لِتُخْضَبِنَّ بِدَمٍ . قَالَتْ : فَاصِيبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ . « 4 »
--> ( 1 إلى 3 ) - « طبقات ابن سعد » ج 3 ، ص 34 ، طبعة بيروت : وروى سبط بن الجوزيّ هذه الأحاديث عن « طبقات ابن سعد » في « تذكرة الخواصّ » ص 100 و 101 . وجاء في الحديث الرابع قولهم : فأخبرنا به نُبيد عشيرته . ( 4 ) - « طبقات ابن سعد » ج 3 ، ص 35 . ورواه عنه ابن الجوزيّ في « التذكرة » ص 101 ؛ ورواه أيضاً ابن شهرآشوب في « المناقب » ج 2 ، ص 81 ، الطبعة الحجريّة . ذكر ابن أبي الحديد في « شرح نهج البلاغة » ج 9 ، ص 118 ، طبعة مصر ، دار الإحياء ، كثيراً من الأخبار الواردة في هذا المجال إجمالًا ، ويؤيّد صحّة مضمونها . فقد قال في الخطبة 147 من « نهج البلاغة » التي قال فيها أمير المؤمنين عليه السلام : وَكَمْ أطْرَدْتُ الأيَّامَ أبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأمْرِ فَأبَى اللهُ إلَّا إخْفَاءَهُ ، هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ : هذا الكلام يدلّ على أنّه لم يكن يعرف حال قتله معرفة مفصّلة من جميع الوجوه . وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أعلمه بذلك علماً مجملًا ، لأنّه قد ثبت أنّه صلى الله عليه وآله قال له : سَتُضْرَب عَلَى هذا - وأشار إلى هامته - فَتُخْضَبُ مِنْهَا هَذِهِ - وأشار إلى لحيته - . وثبت أنّه صلى الله عليه وآله قال له : أتَعْلَمُ مَنْ أشْقَى الأوَّلِينَ ؟ قَالَ : نَعم ، عَاقِرُ النَّاقَةِ ، فَقَالَ لَهُ : أتَعْلَمُ مَنْ أشْقَى الآخَرِينَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : مَنْ يَضْرِبُكَ هَا هُنَا ، فَيخضب هذه . ثمّ قال ابن أبي الحديد بعد شرح مختصر : فإنّ قلت : فما تصنع بقوله عليه السلام لابن ملجم : اريدُ حِباءَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي * عَذِيركَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ وقول الخلّص من شيعته : فهلّا تقتله ؟ فقال : فكيف أقتل قاتلي ؟ وتارةً قال : إنّه لم يقتلني فكيف أقتل من لم يقتل ؟ وكيف قال في البطّ الصائح خلفه في المسجد ليلة ضربه ابن ملجم : دَعُوهنّ فإنّهنّ نوائح ؟ وكيف قال تلك الليلة : إنِّي رَأيتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ فَشَكَوْتُ إلَيْهِ وَقُلْتُ : مَا لَقِيتُ مِنْ امَّتَكَ مِنَ الأوَدِ واللَّدَدِ ؟ فَقَالَ : ادْعُ اللهَ عَلَيْهِمْ . فَقُلْتُ : اللَهُمَّ أبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَأبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي ، وكيف قال : إنِّي لَا اقْتَلُ مُحَارِباً وإنَّمَا اقْتَلُ فَتْكاً وَغِيلَةً ؟ يَقْتُلُنِي رَجْلٌ خَامِلُ الذِّكْرِ . وقد جاء عنه عليه السلام في هذا الباب آثار كثيرة . قلتُ : كلّ هذا لا يدلّ على أنّه عليه السلام كان يعلم الأمر مفصّلًا من جميع الوجوه . ألا ترى أنّه ليس في الأخبار والآثار ما يدلّ على الوقت الذي يقتل فيه بعينه ، ولا على المكان الذي يقتل فيه بعينه ؟ أقول : عرض ابن أبي الحديد هنا شرحاً بعضه محلّ نظر !